« العودة لـ كتاب العقار

الإصلاح والبناء.. رؤية شاملة لا تأخر عن تحقيقها

الإصلاح والبناء.. رؤية شاملة لا تأخر عن تحقيقها
يتجدد التأكيد على التوجهات الجادة لبلادنا العزيزة، وهي تحتفل بعيدها الوطني العظيم الـ88، لخوض طريقها المستقبلي الطموح، المستهدف إصلاح وبناء وتطوير مقدراتها واقتصادها، وتحقيق أعلى مستويات الرفاهية وجودة أشكال الحياة لمواطنيها. يأتي ذلك في الوقت الذي أثبتت فيه الوقائع والتحديات الراهنة، استحالة استدامة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي المنشود، بالاعتماد فقط على مداخيل مورد ناضب كالنفط، وأن احتياجات وتطلعات الاقتصاد والمجتمع الراهنة ومستقبلا، أصبحت تفوق كثيرا ما يغدقه النفط من دخل على الاقتصاد، وأثبتت أيضا الأوضاع العتيقة السابقة للاقتصاد طوال خمسة عقود مضت، كما أنها أنتجت إيجابيات عديدة تنمويا واقتصاديا واجتماعيا، إلا أنها أيضا أفرزت تشوهات بالغة الخطورة، وأظهرت مؤشرات الاقتصاد عبر العقود الخمسة الماضية، تضاؤل الإيجابيات مقابل تصاعد التشوهات عقدا بعد عقد، الذي اقتضى بدوره ضرورة قصوى لإجراء تغييرات وإصلاحات جذرية هيكلية للاقتصاد، تستهدف وضعه على طريق آخر أكثر أمانا واستقرارا، ستتصاعد نتائجه الإيجابية على الاقتصاد والمجتمع عاما بعد عام، وصولا إلى نهاية مرحلة التحولات بعد عقد من الزمن من تاريخ اليوم. لا شك أنه طريق بالغ الأهمية للتحول والإصلاح وإن حمل ذلك في بدايته بعض المشاق على الجميع، إلا أنه سيكون أخف وطأة بدرجات كثيرة من وطأة النتائج المريرة لنهاية الطريق القديم، المعتمد بدرجة كبيرة جدا على دخل النفط فقط، وعلى أن عمليات الإصلاح الراهنة، لا تقف عند حدود معينة في الأجلين القصير والمتوسط، ذلك أنها تأتي ضمن تغييرات جذرية واسعة وشاملة لكامل نسيج السياسات الاقتصادية الراهنة “إعادة هيكلة كاملة للاقتصاد الكلي”، بصورة تستهدف إيجاد اقتصاد على مستوى إنتاجية أكفأ وأفضل، وأكثر تنوعا في قاعدته مقارنة بما كان عليه سابقا، والذهاب به لأبعد من ذلك، ليتحول إلى اقتصاد أكثر تنافسية وقدرة على إيجاد الأعداد الكافية من فرص العمل الكريمة، ومبتعدا أكثر عن الاعتماد المفرط على الإنفاق الحكومي المباشر وغير المباشر، وتيسير السبل كافة أمام كيانات القطاع الخاص عبر تسهيل بيئة الاستثمار المحلية، وفتح نوافذ المنافسة الكاملة والحد من أشكال الاحتكار، بما يكفل سهولة توجه السيولة والثروات نحو قنوات الاستثمار المتنوعة، التي تخدم احتياجات الاقتصاد الوطني والمجتمع على حد سواء، وتسد أمام الثروات المحلية جميع الطرق المؤدية إلى تدفقها نحو المضاربة العشوائية، أو التكدس في أصول غير منتجة كالأراضي وغيرها من الأصول. لم يعد غائبا عن الجميع ما وصل إليه اقتصادنا ومجتمعنا حتى وقت قريب، من مواجهة بالغة التعقيد ضد عديد من التشوهات التنموية الكأداء، وكيف أنها تحولت خلال عقود زمنية إلى ما يشبه الأزمات المؤرقة الجسيمة التي تجذرت كأكبر معوقات تحد من تقدم التنمية الشاملة والمستدامة، بدءا من ارتفاع معدلات البطالة، وتفاقم أزمة الإسكان، وتعثر تنفيذ المشاريع التنموية، وتلوث كثير من الأعمال برزايا الفساد المالي والإداري وأشكال الاحتكار والتلاعب بالأسعار والتستر والغش التجاريين، وتأخرنا في تنويع قاعدة الإنتاج المحلية، وغيرها من التشوهات المعيقة لأي اقتصاد ومجتمع. وأجده من الضرورة بمكان هنا؛ الإشارة إلى الخطأ الفادح الذي وقع فيه عديد من الأفراد والمؤسسات، باعتقاد أن ارتفاع معدلات البطالة وفق البيانات الأخيرة، وتباطؤ النمو الاقتصادي وغيرها من المؤشرات العكسية، أنها نتجت عن التحولات الراهنة. في حين أنها في الحقيقة ليست إلا نتيجة لتفاقم تشوهات إفراطنا في الاعتماد على النفط، وما ترتبت عليه تلك الأوضاع والتشوهات السابقة من تشكل راهن للقطاع الخاص، أفرط في الاعتماد على إنفاق وتحفيزات الحكومة من جانب، ومن جانب آخر الاعتماد المفرط على استقدام العمالة الوافدة، ما أنتج بدوره في الأغلب منشآت ذات أرضية هشة، لم تتجاوز مساهمتها في تنويع قاعدة الإنتاج سقف 12 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وتوطين وظائفها بما لا يتجاوز 15 في المائة، وما ترتب عليه لاحقا من تفاقم أشكال الاحتكار والمضاربات في كثير من قطاعات الاقتصاد الوطني، كان أبرزها القطاع العقاري “الأراضي غير المستغلة تحديدا”، وما نتج عنه من ارتفاع هائل في تكلفة الإنتاج على بقية منشآت القطاع الخاص، إضافة إلى ارتفاع تكلفة المعيشة على أفراد المجتمع دون استثناء. الأمر المهم في سياق المسيرة المستمرة للإصلاحات الهيكلية الراهنة، ما أظهرته المؤشرات الأحدث لأداء الاقتصاد الوطني من تحسن وإيجابية، تشير إلى زيادة قدرته وفرصه على مستوى تجاوز كثير من التحديات الراهنة، سواء تلك الناتجة عن عمليات الإصلاح، أو تلك المترسبة نتيجة قصور عديد من السياسات التنموية السابقة، التي توزعت بين مختلف جوانب التنمية المستدامة كالتوظيف وتحسين مستوى الدخل، وتقليص فجوات التباين في مستويات الدخل بين طبقات المجتمع، والحد من أشكال احتكار الأراضي والعقارات والأنشطة التجارية والخدمية، إضافة إلى محاربة جميع أشكال وأوجه التستر التجاري، وتحسين بيئة الاستثمار المحلية، وتعزيز التنافسية في السوق المحلية، والعمل على معالجة مسلسل عديد من الأزمات التنموية كأزمتي البطالة والإسكان، وسرعة تطوير البنى التحتية، والارتقاء بالرعاية الصحية، وتوسيع فوائد التنمية الشاملة والمستدامة، لتشمل أكبر قدر ممكن من مختلف الشرائح السكانية في المدن والمناطق الحضرية على حد سواء، يتحمل مسؤولية قصورها بالكامل الحلقات التنفيذية الوسيطة سواء الأجهزة الحكومية التنفيذية أو منشآت القطاع الخاص المتعاقد معها، وتفاقم حجم هذا القصور من تلك الأجهزة مع تعاظم حجم الإنفاق الحكومي الضخم، الذي لم يعكس حتى وقت قريب حجم السخاء الكبير الذي حظيت به من قبل الدولة، ولم يُترجم إلى منجزات حقيقية على أرض الواقع، تعالج ما تقدم ذكره من آثار تنموية سلبية، بقدر ما أنها زادت بكل أسف من عمق تلك التشوهات الهيكلية، وزادت من الاعتماد والارتخاء على ساعد الإنفاق الحكومي المباشر وغير المباشر “الإعانات، والقروض الميسرة من صناديق التنمية”. في الختام؛ لا نزال نسير في طريق طويل يستهدف التخلص من التشوهات والآفات التي أثقلت كاهل الاقتصاد والمجتمع على حد سواء، والتخلص بدوره، ما نتج عنها من تحديات تنموية جسيمة جدا، التي ليست كما قد يظن عديد أنها جاءت نتيجة التحول الاقتصادي الراهن، والتأكيد هنا على أن أية تحولات هيكلية لأي اقتصاد حول العالم، سيصاحبها دون أدنى شك كثير من الآثار العكسية قصيرة ومتوسطة الأجل، سرعان ما ستبدأ في التحسن تدريجيا بعد تكيف الاقتصاد والمجتمع ومختلف مكوناتهما مع تلك الإصلاحات، وهو ما بدأنا نلمسه جميعا من خلال ما عكسته مؤشرات الأداء الاقتصادي الأحدث. إن ما يجري اليوم من تحولات هيكلية للاقتصاد الوطني، تشبه إلى حد كبير جدا جسدا أحاطت به الشحوم في جميع مناطقه، وأصبح يعاني كثيرا الوزن الزائد، ثم بدأ في التخلص من تلك الشحوم بممارسة الرياضة، ولا شك أنه سيعاني كثيرا في بداية الأمر، إلا أنه في نهاية الأمر سيجني جسدا رياضيا نشيطا، خاليا من الوزن الزائد. والله ولي التوفيق.

التعليقات مغلقة.