« العودة لـ كتاب العقار

عبدالحميد العمري: مستقبل السوق العقارية المحلية

عبدالحميد العمري: مستقبل السوق العقارية المحلية

يتصدر الحديث عن واقع ومستقبل السوق العقارية المحلية، أغلب -إن لم يكن كل- الحوارات والنقاشات منذ عدة أعوام، ولا يزال حتى تاريخه، وسيظل كذلك طالما أنه لم يخرج من دائرة الإشكالات، وما تسببت فيه التشوهات الكامنة في تلك السوق من آثار عكسية تنمويا واقتصاديا واجتماعيا. فأي نوع وأي مدى زمني لمستقبل السوق العقارية المحلية يستقطب الاهتمام هنا؟ هل هو خلال عام مقبل، أم خلال عامين، أم ثلاثة أعوام مقبلة، أم خلال عقد زمني مقبل؟ وما العوامل والمؤثرات التي ستلعب دورا رئيسا في تحديد اتجاه ومستقبل هذا العقار؟

قد يرى البعض أنه زاد الاهتمام والحديث أكثر عن السوق العقارية أخيرا، إلا أنه من وجهة نظري لم يخفت الاهتمام بها طوال تلك الأعوام، حتى يظن أحد أنه عاد أو زاد الاهتمام والحديث عنها؛ فلا يزال المستثمرون وتجار العقار يعانون تصريف بضاعتهم “أراض، منتجات عقارية مختلفة” من جانب، ومن جانب آخر؛ لا يزال أيضا الباحثون عن تملك أراضيهم ومساكن العمر يعانون بدرجة أكبر العجز عن تحقيق ذلك الهدف.

وهو ما يفسر جزءا كبيرا من شبه الحديث اليومي الذي أقابله شخصيا مع كثيرين، إذا تحدثت مع تاجر عقار قال: انخفضت الأسعار والأرباح عندي، ورغم ذلك ما زلت أجد صعوبة كبرى في بيع الأصل العقاري الذي لدي “أرض، فيلا أو شقة سكنية”: وفي الجانب الآخر؛ حينما يشكو شخص آخر يبحث عن تملك أرض أو مسكن، تجده يقول: لم أستطع حتى الآن أن أمتلك أرضا أو سكنا، فالأسعار ما زالت مرتفعة، ويصل البعض من هذه الفئة إلى القول إنه لم ير أي انخفاض في الأسعار كما يُقال وتتحدث عنه أنت وغيرك! بعدئذ؛ ما التوقعات التي ستذهب إليها السوق بعد مضي أكثر من أربعة أعوام متتالية من الركود الكبير، الذي عكسه انخفاض إجمالي قيمة صفقاتها خلال الفترة 2014 – 2018 من مستوى 440.3 مليار ريال بنهاية 2014، إلى 142.6 مليار ريال بنهاية 2018، فاقدة نحو 298 مليار ريال، أي ما نسبته 68 في المائة.

انعكس ذلك الانخفاض في سيولة السوق العقارية المحلية على الأسعار السوقية لمختلف الأصول العقارية للفترة نفسها، بانخفاض الرقم القياسي العام لأسعار العقارات بنسبة 21 في المائة الذي تضمن انخفاض الرقمين القياسيين للقطاعين السكني والتجاري بنسبة 19 في المائة ونحو 27 في المائة على التوالي.

أين تقف السوق العقارية المحلية الآن؟ إنها تقف تقريبا في منتصف الطريق الهابط سعريا، الذي أثبتته المؤشرات الرسمية كما ذكرت أعلاه، تتجاذب اتجاهاتها صعودا أو هبوطا عوامل رئيسة متعارضة في صميمها، ومن حيث تأثيراتها في السوق، واختصارا للحديث هنا ومنعا لتشتت الأفكار، يأتي أهم وأبرز العوامل الدافعة لارتفاع الأسعار مرة أخرى، ممثلا في أي خيار يؤدي إلى زيادة التمويل العقاري، الذي يعني ضخًا إضافيًا إلى سيولة السوق العقارية، وهو الخيار الذي إن تحقق جزء يسير منه، إلا أنه وفقا لحالة التشوهات التي ما زالت مسيطرة على السوق، كاف جدا لأن يدفع بملاك الأراضي والعقارات إلى رفع الأسعار مرة أخرى، والعودة تدريجيا إلى المربع الأول، من مشكلة صعوبة تملك الأراضي والمساكن! وهو ما يمكن القول عنه، إنه أشبه “بالبنج الموضعي” الذي يخفف الألم الآن، لكنه لا يعالج الداء الكامن في السوق، وهو أيضا ما يؤذن بمزيد من الآلام الموجعة أكثر مستقبلا فور زوال تأثيره الزمني المحدود.

أما بالنسبة لبقية العوامل الرئيسة الدافعة إلى مزيد من انخفاض الأسعار المتضخمة، ففي مقدمتها الإصلاحات الواسعة للاقتصاد الوطني بشكل عام، والإصلاحات الجارية للسوق العقارية على وجه الخصوص، وغيرها من العوامل الاقتصادية والمالية حتى الاجتماعية، التي لعبت دورا رئيسا خلف الانخفاض الذي أظهرته المؤشرات الرسمية حتى نهاية العام الماضي المشار إليها أعلاه، فتأثيرها مستمر وقائم وواسع النطاق، إنما قد يتعطل تأثيرها لأجل زمني قصير، بحال حدث أي تغير بالزيادة المحفزة للتمويل بشكل عام، والتمويل العقاري على وجه الخصوص!

أظهرت التجربة التي تخضع لها السوق العقارية المحلية خلال الفترة الراهنة، أن أي انخفاض في مستويات الأسعار، يقابله مزيد من النشاط وتنفيذ الصفقات، ونقل أكبر لملكية الأراضي والعقارات، بينما بحال توقفت الأسعار عن الانخفاض، وعادت وتيرتها إلى الارتفاع مجددا، فسرعان ما ينكمش ويتدنى نشاط السوق العقارية.

الحالة الأولى “انخفاض الأسعار”، تعني زوالا متدرجا للضبابية التي تحكم قبضتها على السوق العقارية خلال الفترة الراهنة، وتدفع بالسوق للخروج من دائرة الركود إلى مستويات متصاعدة من النشاط، ستجد مع كل مستويات سعرية أدنى مزيدا من القوة الشرائية لدى الأفراد، لاقتراب الأسعار من مستويات الدخل والقدرة الائتمانية للأفراد، وستجد السوق العقارية نفسها تتخلص من تشوهاتها، بدافع منها قبل دفع الإصلاحات القائمة عليها، وتتجه تدريجيا إلى مواقع لها أكثر منافسة وجودة وتسعيرا، وما قد يظنه بعض تجار العقار والمطورين خسائر بلغة أرقام اليوم، سيتحول تدريجيا إلى مكاسب وتعويضات في الأجل الطويل، ولكن من يملك هنا الصبر والقرار الاستثماري الرشيد؟!

أما في الحالة الأخرى “عودة الأسعار للارتفاع”، فتعني إبقاء أطول للسوق العقارية في حالة ركودها الراهنة، وتأجيلا لن يطول زمنه لحدوث الانخفاض المتدرج في الأسعار، ليصبح انخفاضا أقوى خلال فترة زمنية أقصر، يعزز من صدمة حدوثه تراكم عروض البيع الهائلة من الأراضي والمساكن طوال فترة الركود، والمستغرب عدم انتباه ملاك الأراضي والعقارات إلى هذا الأمر، رغم أنهم هم الذين يعانونه قبل غيرهما؛ فإذا لم تجد الأسعار السوقية رغم انخفاضها إلى مستوياتها الراهنة، في الأصل قوة شرائية حقيقية تقابلها، فكيف ستجد أي قوة شرائية تقابل أي مستويات أعلى للأسعار؟!

نعم قد يقوم ملاك الأراضي والعقارات برفع الأسعار، وهو ما تمت مشاهدته خلال الأشهر القليلة الماضية، لأن تحفيزا جديدا طرأ على ضخ حجم التمويل العقاري بالزيادة في يد شريحة معينة من الأفراد، وليس جميعهم! لكن هل يدرك أولئك الملاك، أن “تخديره الموضعي” لن يكون كافيا لاستجابة كامل القوة الشرائية للسوق؟ وأن تأثيره سرعان ما سيزول، لكن بعد زيادة عروض بيع الأراضي والعقارات، ما يعني ترجمة أقوى ألما عليهم لانخفاض الأسعار، تم تأجيل وتيرته المتدرجة طوال التأثير القصير الأجل للتخدير الموضعي ممثلا في زيادة التمويل العقاري، وهو أولا وأخيرا خيارهم بكل تأكيد، ووحدهم فقط من سيتحملون نتائجه إيجابًا أو سلبًا.

ختاما؛ تقف السوق العقارية المحلية أمام طريقين، أولاهما القائمة الآن “الانخفاض المتدرج للأسعار”، وهو الممكن حدوثه والمفيد للجميع “بمن فيهم ملاك الأراضي والعقارات” في الأجل الطويل، الذي ستجني السوق من خلال تقدمها فيه مزيدا من النشاط والكفاءة والتنافسية والجودة. الطريق الأخرى “عودة الأسعار للارتفاع والتضخم”، وهي الطريق الأكثر وعورة للجميع، ستشهد السوق عبرها مزيدا من الركود، ومزيدا من تشبثها بالتشوهات الكامنة في أحشائها، وتصديا أقوى ضد الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية، وتمديدا أطول لعمر التحدي التنموي الراهن، المتمثل في صعوبة تملك المساكن لدى أفراد المجتمع. والله ولي التوفيق.